صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

2062

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

وقال الجاحظ : الرّحمة خلق مركّب من الودّ والجزع ، والرّحمة لا تكون إلّا لمن تظهر منه لراحمه خلّة مكروهة ، فالرّحمة هي محبّة للمرحوم مع جزع من الحال الّتي من أجلها رحم . وقال الكفويّ : الرّحمة حالة وجدانيّة تعرض غالبا لمن به رقّة القلب وتكون مبدأ للانعطاف النّفسانيّ الّذي هو مبدأ الإحسان « 1 » . معنى الرحمن الرحيم : قال ابن الأثير - رحمه اللّه تعالى - : في أسماء اللّه تعالى « الرّحمن الرّحيم » وهما اسمان مشتقّان من الرّحمة ، مثل ندمان ونديم . وهما من أبنية المبالغة ورحمن أبلغ من رحيم . والرّحمن خاصّ باللّه لا يسمّى به غيره ، ولا يوصف . والرّحيم يوصف به غير اللّه تعالى ، فيقال : رجل رحيم ، ولا يقال رحمن . والرّحمة من صفات الذّات للّه تعالى والرّحمن وصف ، وصف اللّه تعالى به نفسه وهو متضمّن لمعنى الرّحمة « 2 » . وقال الخطّابيّ : ذهب الجمهور إلى أنّ « الرّحمن » مأخوذ من الرّحمة . ومعناه ذو الرّحمة لا نظير له فيها . ثمّ قال : فالرّحمن ذو الرّحمة الشّاملة للخلق ، والرّحيم خاصّ بالمؤمنين « 3 » . قال اللّه تعالى : وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً ( الأحزاب / 43 ) . وقال الغزاليّ : الرّحمن الرّحيم اسمان مشتقّان من الرّحمة . والرّحمة تستدعي مرحوما ، ولا مرحوم إلّا وهو محتاج . والّذي ينقضي بسببه حاجة المحتاج من غير قصد وإرادة وعناية بالمحتاج لا يسمّى رحيما ، والّذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها ، فإن كان قادرا على قضائها لم يسمّ رحيما ، إذ لو تمّت الإرادة لوفّى بها ، وإن كان عاجزا فقد يسمّى رحيما باعتبار ما اعتوره من الرّقّة ، ولكنّه ناقص . وإنّما الرّحمة التّامّة إفاضة الخير على المحتاجين وإرادته لهم عناية بهم ، والرّحمة العامّة هي الّتي تتناول المستحقّ وغير المستحقّ ، ورحمة اللّه ، عزّ وجلّ ، تامّة وعامّة ، أمّا تمامها : فمن حيث أنّه أراد قضاء حاجات المحتاجين وقضاها . وأمّا عمومها : فمن حيث شمولها المستحقّ وغير المستحقّ ، وعمّ الدّنيا والآخرة ، وتناول الضّرورات والحاجات والمزايا الخارجة عنهما . فهو الرّحيم المطلق حقّا . وقال - رحمه اللّه تعالى - : والرّحمة لا تخلو عن رقّة مؤلمة تعتري الرّحيم ، فتحرّكه إلى قضاء حاجة المرحوم . والرّبّ ، سبحانه وتعالى ، منزّه عنها . فلعلّك تظنّ أنّ ذلك نقصان في معنى الرّحمة ، فاعلم أنّ ذلك كمال وليس بنقصان في معنى الرّحمة . أمّا أنّه ليس بنقصان فمن حيث إنّ كمال الرّحمة بكمال ثمرتها . ومهما قضيت حاجة المحتاج بكمالها لم يكن للمرحوم حظّ في تألّم الرّاحم وتفجّعه ، وإنّما تألّم الرّاحم لضعف نفسه ونقصانها . ولا يزيد ضعفها في غرض المحتاج شيئا ، بعد أن قضيت حاجته . وأمّا أنّه كمال في معنى الرّحمة ، فهو أنّ الرّحيم عن رقّة وتألّم يكاد يقصد بفعله دفع ألم الرّقّة عن نفسه ،

--> ( 1 ) تهذيب الأخلاق للجاحظ ( ص 24 ) ، والكليات للكفوي ( 2 / 376 ) . ( 2 ) النهاية لابن الأثير ( 2 / 210 ) . ( 3 ) بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي ( 3 / 35 ، 54 ) .